السيد محمد حسين الطهراني
253
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت
ونقول أيضاً بأنّ قدماء المسيحيّين مُختلفون في مقتل السيّد المسيح ، وقد جاء في بعض الأناجيل أنّه لم يُقتل أصلًا ؛ مع أنّه لو قُتل شخص في مدينةٍ ما ، لما خفي ذلك على سكنة تلك المدينة ، لكثرة التفات الناس إلى هذه الأمور ، وخاصّة إذا صُلب ذلك الشخص . أمّا لأنّ مؤلّفي الإنجيل قد ألّفوه للغرباء ، وبلغة أجنبيّة غريبة ؛ ولأنّ هؤلاء الأجانب لم يكونوا في بيت المقدس ليمكنهم الاطّلاع على حقيقة قتل أو عدم قتل ذلك النبيّ ، فقد كتب مؤلّفو الإنجيل كلّ ما اعتبروا كتابته من المصلحة دون أن يخشوا شيئاً . ثمّ إنّهم شكّلوا مجلساً بعد السيّد المسيح بثلاثمائة سنة ، فتشاور علماء النصارى في كيفيّة القضاء على الاختلاف في هذه الأمور ، فارتأوا انتخاب أربعة أناجيل من بين الأناجيل واعتبار مطالبها صحيحة ، واعتبروا سواها - ممّا لا حدّ له ولا حصر - باطلًا . فصار أمر عدم قتل المسيح المذكور في الأناجيل المرفوضة أمراً غير رسميّ » . « 1 »
--> ( 1 ) - « راه سعادت » ( / نهج السعادة ) ص 136 إلى 138 ، الطبعة السابقة . يقول أحمد أمين المصريّ في كتاب « يوم الإسلام » ص 229 و 230 . إن أهمّ الفروق بين الإسلام والنصرانيّة ، أنّ الإسلام رعا الدنيا حقّ رعايتها وجعل من الممكن الاحتفاظ بالحياة الروحيّة مع الاستمتاع بالدنيا ، بينما النصرانيّة رأت ألّا ينفتح باب السماء إلّا إذا انغلق باب الأرض . ولعلّ سبب ذلك أنّ الإسلام جعل الإنسان مسؤولًا فقط عن عمله وَأن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلَّا مَا سَعَي ، و . لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ، على حين أنّ النصرانيّة حمّلت الإنسان خطيئة آدم وجعلته يؤمن بشرِّ النفس الإنسانيّة لا بخيرها ، كما فعل الإسلام . وفرق آخر وهو أنّ المدنيّة الغربيّة جعلت من الممكن أن يرقى الإنسان بالحياة المادّيّة فقط ، من اقتصاديات وصناعات واختراعات وفلسفات . بينما الإسلام يرى أنّه لا يمكن رقيّه إلّا بالاعتماد على الركنين جميعاً . أعني الجسم والروح . والفرق الثالث أنّ المسلم يعتمد في حياته على ربّه ويعتقد أنّ قوّته هو لا تكفي ما لم تدعم بسند متين وركن شديد هو الله مدبّر هذا العالم . أمّا الغربيّ ، فيرى الله قد كفّ يده عن العالَم منذ خلقه ، وتركه يتطوّر كما يشاء وبقي في السماء ، والأرض تعمل عملها . والمسلم يرى أنّ خالق الأرض يضع يده في كلّ شيء ، طبقاً لخطّة مرسومة ، معروف له هدفها وأنّ المسلم مجبر على اتّباع هذه القوانين ، شاء أو أبي . والفرق الرابع أنّ إمام المدنيّة الإسلاميّة القرآن وتعاليمه التي أبناها . أما المدنيّة الغربيّة فإمامها المدنيّة الرومانيّة من جملة نواح . 1 - الاعتزاز بشخصها ، واحتقار ما عداها ، حتى أنّ العدل واجب على الرومانيّ للرومانيّ ، لا لغيره . 2 - حبّ الفتح والاستعمار والاستعلاء واستغلال البلاد المفتوحة للمصلحة الرومانيّة لا للمفتوحين ، بينما الإسلام يرى أنّ البلاد المفتوحة لها ما له وعليها ما عليه . 3 - الاهتمام بالحياة الفرديّة والحياة الاجتماعيّة على السواء ، وتشريعه للناحيتَين على السواء . أمّا في المدنيّة الغربيّة ، فتشجيع للحياة المادّيّة لا إلى حدّ ، وإهمال للحياة الروحانيّة لا إلى حدّ كذلك .